قيامة المسيح من بين الأموات أعظم الأحداث التي حصلت في تاريخ الجنس البشري , حيث تعد نقطة تحول هامة في هذا التاريخ و لا سيما في علاقة شعب الله بخالقه.  تمثلت هذه النقطة في إبرام عهد جديد بين الله الخالق و الإنسان المخلوق , بموجب هذا العهد أصبح الله أبا و الإنسان أبنا . و لم يكن سوى قلب الإنسان اللوح الذي كتبت عليه بنود هذا العهد الجديد . و بذلك أصبح مكان الله في داخل قلب الإنسان و شريعته في ضميره حتى يحل الله في مركز الإنسان واهتمامه . و لأهمية هذا التحول الكبير , لم يشأ الله الآب أن يوكل تنفيذه للأنبياء كما حصل في العهد القديم , بل أخذ على عاتقه تحقيقه , و دفع فديته لتحرير الإنسان من عبودية الخطيئة و الموت . و هكذا جاء يسوع  (الابن والأقنوم الثاني في الثالوث الأقدس) حتى يجلب لنا الشريعة الجديدة , شريعة النعمة و الحياة الأبدية و يحقق أرادة الله الآب في حياته على الأرض و يعطي الإنسان طريقا جديدا للسير به نحو القداسة والكمال . وقد أكمل الابن أرادة الآب ببذل نفسه على الصليب فدية عن كل المأسورين و التابعين لأرادة الخطيئة والموت . لقد دفع المسيح حياته ثمنا للتعليم الجديد , الشريعة الجديدة , رافضا تلك القيود التي كبّل بها الإنسان من قبل الإنسان . لقد تألم المسيح و مات على خشبة الصليب حتى يعلن للبشر على مرّ العصور بأنه قد جاء ليكشف وجه الله الحقيقي للأنسان , وأن رسالته هي لخلاص الجنس البشري من براثن الخطيئة و مصالحته مع الله الآب. و ما كان كل ذلك ليحصل لولا موت المسيح على الصليب.

أن موت المسيح-على عكس ما يظن البعض- لم يكن نهاية لرسالته , أو انهزاما لتعليمه , أو مبادئه, بل كان تتويجا لكل ذلك من خلال تحقيق الانتصارعلى الخطيئة والموت . هذا الانتصار الذي أكتمل بقيامة يسوع المسيح من بين الأموات , و إعطاء البشرية  العهد الجديد , بل الرجاء الجديد , الذي لم يكتب على ألواح الطين , بل في قلوب وضمائر كل من يؤمن بأن المسيح هو أبن الله و مخلص العالم .

أن قيامة المسيح لا يمكن النظر أليها سوى بعين الروح والأيمان , وكما قال الكتاب المقدس (لا يستطيع أحد أن يقول أن المسيح هو أبن الله أن لم يكن الروح القدس معه. 1 قورنثوس 12:3). فقيامة المسيح ليست كقيامة لاعازار (يوحنا 11:1-44 ) أو أحياء أبنة يائير (متى 9:18-26 ) أو إعادة أبن أرملة نائين إلى الحياة (لوقا 7:11-17 )    , كما أن قيامته ليست عودة أو رجوع إلى الحياة و لكنها ارتقاء إلى الله , تقدم و عبور إلى الحياة الأبدية , تحرر من الموت الأبدي  و انتصار على أرادة الشرير . هذه هي القيامة التي بأجمعنا مدعوون أليها من خلال السير على خطى الرب المخلص , والعمل بوصايا الله لنيل السعادة الأبدية . لقد قام المسيح من بين الأموات و جلبت قيامته انتصارا و رجاء لكل من آمن و يؤمن به بدءا بمريم المجدلية وتلاميذه الخائفين في علية صهيون مرورا بقوافل الشهداء والقديسين وصولا ألينا نحن الذين هم أيضا مدعوون أن يبشروا بالمسيح القائم من بين الأموات  والمنتصر على شوكة الموت وغلبة الجحيم كما يشير تعليم القيامة بحسب الليتورجيا الكلدانية.

أن انتصار المسيح لم يكن مرحليا بل هو قوة ينالها كل من يؤمن باسمه , ويمسي قادرا أن يحقق الانتصار في حياته

 

 على الخطيئة و الموت , فيقوم كقيامة المسيح , وينتقل إلى الأخدار السماوية هناك حيث يحتفل المنتصرون مع بعضهم البعض , بعدما جاهدوا جهادا روحيا حسنا في حياتهم البشرية .

أن الرجاء الذي وهبه لنا المسيح ليس بزمنيا , بل أبديا داعيا إيانا للمصالحة مع الله البار بدمه المقدس , الذي دفع به ديننا محررا إيانا من نير العبودية , مسترجعا لنا كرامتنا الإنسانية و مانحا لنا ميراثا في ملكوت السماء. ولا يخفى عن المؤمنين الدور الذي يجب أن يضطلعوا به للحفاظ على ديمومة هذا الانتصار والرجاء , وما السبيل إلي ذلك سوى بالعمل بإرادة الله الآب و بوصاياه المقدسة و أتّباع تعليم يسوع المسيح الذي من خلاله يحقق الإنسان السعادة الحقيقية , سعادة العطاء , سعادة بذل الذات , السعادة الأبدية . وفي غمرة جهادنا الروحي خلال سني حياتنا الأرضية , علينا أن لا ننتظر أي انتصار , لأن انتصارنا الحقيقي يكون في السماء كما يقول القديس بولس (أن آلام الزمن الحاضر لاتعادل المجد الذي سيتجلى فينا. روم 8:18). فانتصارنا ليس أرضي كما أن رجاؤنا ليس أرضي . لنتمسك إذن برجائنا فهو وسيلتنا في تحقيق الانتصار .

 

 

الشماس وميض بطرس شمعون

 

 

 

Home | Contact Us | Links | Newsletters Photo Gallery