ان
المعاني الروحية المؤدية والمنبثقة عن انتقال أمنا العذراء
مريم إلى السماء تتجاوز في عمقها كل المعاني التاريخية
والمادية التي تحيط بهذا الحدث الجليل.ففي الوقت الذي أعطت
الثانية مشروعية ولادة حدث الانتقال فان الاولى قد اعطت له
العمق الروحي والتفاعلات اللازمة لتكوين صخرة الايمان التي
تسنده.
ان عقيدة الانتقال قد ترسخت في ايمان الكنيسة الاولى بعد
سلسلة من الاختبارات التي رافقت مسيرة الايمان المسيحي بعد
قيامة يسوع المسيح من بين الاموات, وتعرض هذه المسيرة
لسلسلة لامتناهية من العواصف بدءا بالفريسية المتلاشية
مرورا بافرازات الفلسفة اليونانية وليس انتهاءا بالطروحات
الخاوية لمفهوم العولمة حول حرية الانسان, ومما يدهش
الاذهان وينعش القلوب ويجدد الافكار,هوالصلابة والبريق
المتجدد الذي يصاحب الايمان المسيحي بكافة ابعاده بعد كل
سلسلة من هذه العواصف, وكأني باختلال عقل اقول ان كل
الازمات التي تعصف بالايمان المسيحي والكنيسة انما هي
ضرورية لديمومتها وتجديد الروح فيها!
أن دور العذراء في اتمام المخطط الالهي للخلاص ليس دورا
هامشيا, حيث يذكر لنا الانجيل المقدس منذ بداياته كيف ان
مريم العذراء كانت مواظبة على الصوم والصلاة والتعبد لله
خالق السماوات والارض. وكانت في صلاتها تهتم لعذابات
البشرية وانينها وتطلب الخلاص للانسانية جمعاء ناكرة ذاتها
لاجل القريب, ومفرّغة نفسها من كل محبة للارضيات لذلك فقد
ملأ الله ذاتها بالنعمة ( الممتلئة نعمة. لوقا 28:1),
واختار تواضعها (لانه نظر الى تواضع امته. لوقا 48:1)
واستجاب لصلاتها فأرسل مخلصا للعالم ( تحبلين وتلدين ابنا
وتسمينه يسوع لانه هو يخلص شعبه من خطاياهم. متى 21:1).
وهكذا انتخب مريم العذراء حتى يكون لها دور مهم في هذا
المخطط واليها اوكلت مهمة ولادة وتنشأة وتهيئة يسوع المسيح
ابن الله ومرافقته على طريق الجلجلة وحتى موته ودفنه وهناك
على الصليب توّج دور مريم العذراء في هذا المخطط عندما
اوكل يسوع الى امه ان تكون اما لجميع المؤمنين به ( هوذا
ابنك. يوحنا 26:19) وهكذا بدأت المهمة الجديدة والازلية
لمريم العذراء, وهي ان تتحمل مسؤولية عناية كل اولاد الله
والمؤمنين بابنه يسوع المسيح المائت والقائم والصاعد الى
السماوات.وخلال الفترة التي سبقت وتلت حلول الروح القدس
مارست العذراء مريم دورها كأم لجميع التلاميذ وكل الذين
رافقوهم بيد انها استمرت في صلاتها وتعبدها لله حتى يومها
الاخير على الارض.