أن الحسد من الآفات الأكثر أنتشارا بين الناس , و الأشد ضررا
للحياة الروحية , أن رذيلة الحسد هي رذيلة الشياطين الخاصة و وليدة
كبريائهم ولها شر نوعي تمتاز عن بقية الرذائل . فعدو الخير (
الشيطان ) حمله الحسد على قتل الجنس البشري , لأنه رأى الأنسان
مدعوا ليكون في السعادة الأبدية التي خسرها هو , بشــّره و كبريائه
, فلم يطق أن يكون الأنسان سعيدا و هو يبقى تعيسا الى الأبد , فهجم
على أبوينا الأولين و جرهما الى المعصية بخداعه و كذبه و سبب لهما
الموت المزدوج , أي موت الروح و موت الجسد كما قال الروح القدس .
أن الأبليس , خزّ اه الله نفخ في الجنس البشري كله روح الحسد
, كما بثّ في الجنس البشري روح الكبرياء. وهكذا سرى روح
الحسد في كل أنسان كما سرت أليه الخطيئة الأصلية , و لذلك فقلب
الأنسان المائل احيانا الى الشر مائل أيضا بالطبع الى الحسد.فلا
يرى أحد قريبه فاز بنجاح حتى يشعر بحركة حزن لأول وهلة .
فالمسيحي الذي يريد أن يحفظ شريعة المحبة للقريب , يلزم أن يرفع
عقله وقلبه الى الله عند شعوره بهذه الحركة , طالبا النعمة لينتصر
على قلبه , و أن يتغلب على ذاته قامعا تلك الحركة في نفسه و مبعدا
عنه كل عاطفة و كل كلمة و كل عمل ينكّس القريب و يكف نجاحه أو يوقع
فيه ضررا . فالرذيلة هي بنت الطبيعة الفاسدة , أما الفضيلة , فهي
بنت النعمة . وعليه يجب أن نحرك قلوبنا لبغض هذه الرذيلة و الخوف
من التورط فيها . ونجتهد في أن تقتلعها من قلوبنا و نغرس عوضا عنها
قضيلة المحبة للقريب, كما يجب أن نعرّف الاخرين بشّرها و نبحث في
الوسائل لمكافحتها .
قال اللاهوتيون الحسد هو عبارة عن الأغتمام من خير القريب , بحيث
يعد الحسود كل خير لغيره ضررا لنفسه أو مقـللا من قدر خير نفسه و
يلحق بالحسد السرور بسوء حال القريب , بأعتبار أن سوء حاله
مصلحة لحال لحسود . وهذا الفرح الخبيث يسمى شماته و كراهية . وهو
من خصائص النفوس الخسيسة والخبيثة . و عليه فمن تملكت في قلبه
رذيلة الحسد تملك لسانه , الثلب و النميمة , والأفتراء و
التشفّي , و يسعى بكل جهده حتى يلاشي صيت قريبه و يخسره ماله بل
حتى يبيد حياته , لأن نجاح القريب بالنسبة اليه هو كعمود أسود أمام
عينيه و كابوس غير محتمل على رأسه .
و أول من تملكت فيه هذه الرذيلة , فدفعته الى أقصى شرها , هو قائين
بكر آدم الذي عندما رأى أن الله نظر الى ذبيحة أخيه هابيل و الى
تقدمته لم ينظر اليها . شقّ عليه جدا و سقط على وجهه فبيّن له الله
أن سبب عدم قبول تقدمته , أنما كان سوء عمله و أنه أذا أحسن عمله
, فسوف يرضى الله لقرابينه . فلم يرتدع عن شره بل أنقاد لكيده و
أخرج أخاه الى البرية و قتله , ولما كان الشر يجلب شرا أعظم منه
جعل يتمرد على الله أكثر حينما أنتهره قائلا . أين هابيل أخوك .
فأجابه . لا أعلم , هل أنا حارس لأخي ؟ حينئذ أشتد عليه غضب الله و
قال له ماذا صنعت ؟ أن صوت دماء أخيك تصرخ اليّ من الأرض . و الآن
فملعون أنت في الأرض التي فتحت فاها لتقبل دماء أخيك من يدك و أذا
حرثت الأرض فلا تعطيك قوتها أيضا , تائها , شاردا تكون في الأرض (
تك 4 : 5 ).
فما أعظم شرّ الحسد وما عظمة شؤم عواقبه وما أتعس حال من تورط فيه
وأذا تدرجنا في تاريخ الجنس البشري رأينا أيضا للحسد في كل زمان
مثل هذه النتائج السيئة , فاليهود أسلموا يسوع عن حسد وكيد كما صرح
بيلاطس قائلا أني لم أجد فيه علـّة( يـوحنا 8 : 8 2 ).
و هذا القليل الذي قدمناه كنموذج يدلنا دلالة واضحة على شر هذه
الرذيلة . الحسد و بغض الله لها و شقاء حالة الحسود , حتى الأمثال
تقول ( الحسود لا يسود ولا يموت ألا مكدود ) و ( أصبر على كيد
الحسود , فأن صبرك قاتله ) .
أن الحسد هو قتل , والقتل اما أن يكون بالفكر أي بالأشتهاء و هو
يستحق الشجب كما قال المخلّص * قد سمعتم أنه قيل , لا تقتل . و أنا
أقول لكم من يغضب على أخيه يستوجب الدينونة ( متي 5 : 22 ) و قال
القديس يوحنا : الله لم يره أحد قط .و لكن ان أحببنا بعضنا بعضا ,
يثبت الله فينا و تكون محبته كاملة فينا ( يو 1 ـ 4 : 2 1 ).
وعليه فأن جاهدنا نحن على هذه الصورة , نكون ثابتين في الله , و
الله فينا . ويكون لنا به ثقة كاملة يوم الديــــن.
( يو 1- 4 : 6 1)…..آميــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن.